كتبت: أماني عمار
تعد دار
الكتب المصرية واحدة من أعرق وأكبر وأقدم المكتبات في الوطن العربي،
بالإضافة لكونها المكتبة الوطنية الأولى عربيًا، حيث تحوي ما يقرب من
57 ألف مخطوط, تتراوح بين البرديات والمخطوطات الأثرية، والوثائق الرسمية.
وأثناء جولة
لمجلة "دهاليز" داخل الدار جذب إنتباهي العديد والعديد من الكتب الأثرية
المميزة والنادرة, ومن أهم تلك التحف الأثرية كتاب "الكامل في
التاريخ" لإبن الأثير، تملك الدار النسخة الأولية الأصلية منه
داخل إحدى مكتباتها وهي مكتبة الوسائط المتعددة، والتي تقع في الطابق الخامس من
الدار، ولكنها غير مخصصة لاستخدمات القراء؛ حيث أن تضاريس الزمن ظهرت عليها وأصبحت
شبه بالية، لكنّ الدار سمحت لي برؤيتها وعند الإمساك بها تحدث في النفس رهبة وشعور
بامتزاج غريب بين الخوف عليها من التهالك وبين الحب لوجود مثل هذه النسخة القيمة
في مكتابتنا المصرية، وعند لمس صفحات الكتاب تشعر بكل حرف به وكأن الحروف رُصف فوق
سطح الورق، واللون الأصفر لصفحاته ترجعك بالساعة الزمنية للوراء وكأنك تعاصر ما
مضى من عصور مما يزيد من شعورك بهيبة بتلك القيمة الأثرية.
وعند التحدث
عن مضمون الكتاب، فكتاب الكامل في التاريخ هو واحد من أعظم كتب التاريخ على
الإطلاق، فهو من تأليف ابن "الأثير", هو الإمام العلامة المحدث الأديب
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزري الشيباني ابن
الشيخ الأثير, أو كما يطلق عليه "مؤرخ اللحظات المصيرية"،
مولده بالجزيرة العمرية في رابع جمادي الأول سنة 555ه ونشأ بها ثم صار إلى الموصل
مع والده وإخوته وسمع بها، وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها
ومأوى طلبة العلم ولقد أقبل في آخر عمره على الحديث إقبالًا تامًا وسمع العالي
والنازل.
من أشهر
مصنافته الكامل واختصر الأنساب للسمعاني وهذبه وأفاد فيه أشياء وهو في مقدار النصف
أو أقل واستدرك عليه في مواضع ونبه على أغلاط وزاد أشياء.
وقد توفي
ابن الأثير في نهاية الثلث الأول من القرن السابع الهجري ولكن كتابه لا يزال حيًا
يحمل إلى الدنيا كلها أخبار العالم الإسلامي وأحداثه وملوكه وأمرائه إلى اليوم.
ويعتبر
الكتاب هو تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب، وما بينهما، بدأه ابن
الأثير منذ أول الزمان إلى آخر سنة 628 هجرية وهو من خيار التواريخ.
ويحوي
الكتاب على مجموعة من الأجزاء مجموعهم ثماني أجزاء، وكل جزء يحمل بداخله مجموعة من
السنوات الهجرية، حيث أن الكتاب هو عبارة عن سرد تاريخي للموضوعات الدينية، وهو ما
يضفي ميزة أخرى على الكتاب، فأغلبنا عندما يسمع كلمة تاريخ يخطر بباله كل أنواع
التاريخ القديم آخرهم التاريخ الديني أو بشكل أدق التاريخ الإسلامي على نهج
الكتاب، فيسرد الكتاب كل قصص التاريخ الإسلامي بتوسع شديد، ويصل بالموضوعات إلى حد
لا يمكن للقاريء أن يدرك أن هناك موسوعة تاريخية تحوي هذه التفاصيل وتلك القصص.
بدأ ابن
الأثير كتابه بمقدمة قال فيها "أما بعد فإني لم أزل محبًا لمطالعة كتب
التواريخ ومعرفة ما فيها، مؤثرًا للإطلاع على الجلي من حوادثها وخافيها، مائلًا
إلى المعارف والآداب والتجارب المودعة في مطاويها، فلما تأملتها رأيتها متباينة في
تحصيل الغرض، يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العرض، فمن بين مطوّل قد استقصى
الطرق والروايات، ومختصر قد أخل بكثير مما هو آتٍ، ومع ذلك فقد ترك كلهم العظيم من
الحادثات، والمشهور من الكائنات، وسود كثير منهم الأوراق بصغائر الأمور التي
الإعراض عنها أولى، وترك تسطيرها أحرى....إلخ"
وافتتح
كتابه بذكر بدء الخلق، وقصص الأنبياء حتى صعود السيد المسيح، وأعقبه بفصل في ذكر
مَنْ ملك مَن ملوك الروم بعد رفع المسيح إلى عهد الرسول محمد ثم أخبار الهجرات
العربية، وأيام العرب قبل الإسلام، ثم السيرة النبوية حتى عام 11ه، وافتتح المجلد الثاني بذكر مرض النبي (صلَ الله عليه وسلم)
ووفاته حتى حوادث سنة 56ه، ووصل
بالمجلد الثالث إلى حوادث سنة 168ه وبالرابع إلى آخر خلافة المقتدر سنة 295 هـ والخامس حتى سنة
412 هـ والسادس حتى سنة 527 هـ والسابع حتى سنة 628 هـ وهو أهم أجزاء الكتاب وفيه
الكثير من مشاهداته وذكرياته.
وأوضح منهجه
في الكتابه قائلًا "شرعت في تأليف تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب وما
بينهما، ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان، وجاء فيه بالحوادث والكائنات من أول
الزمان، متتابعة يتلو بعضها بعضًا إلى وقتنا هذا، فجمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع
في كتاب واحد" ومن تأمله علم صحة ذلك.
ويسرد
كتابته قائلًا "لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة ممن يعلم
بصدقهم فيما نقلوه وصحة ما دونوه ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي ولا كمن يجمع
الحصباء واللآلى"
وبالفعل فقد
ظل هذا الكتاب "الكامل في التاريخ" المصدر الأساسي للمؤرخين منذ القرن
السابع الهجري حتى يومنا؛ ذلك لأنه يمتاز عن غيره أنه كان تاريخًا شاملًا للدولة
الإسلامية في شتى أقطارها.
ولقد أثنى
الكثير من أهل العلم على كتابه فقال عنه ابن خلكان، صُنف في التاريخ كتابًا كبير
سماه الكامل ابتدأ فيه من أول الزمان إلى آخر سنة 628 وهو من خيار التواريخ
الإمام ابن
كثير وهو من أحسن كتب التاريخ حوادث، أحسنها حوادث شهاب الدين النويري وهو من أجود
التواريخ التي رأينها.
رحم الله
الشيخ والعلامة إبن الأثير، فتمر الأعوام وتنقضي السنون وتبقى ذكراك الطيبة دومًا
تؤنس أيامنا وتضيء ليالينا، أعوامًا مضت على فقدانك وآرى فيها التراب جسدك الطاهر
ولم يواري أعمالك العظيمة، ولم يواري آثارًا كبيرة خلفتها لتبقى شاهدة على نبلكم
وكرم أصلكم، غاب عنا شخصك الكريم ولم تغب شخصيتكم الكبيرة وقيمكم الخالدة.

