الدكتوره منى حجاج رئيس جمعية الآثار بالإسكندرية لـ"دهاليز": أزمة الاكتشافات الأثرية في مصر "مالية"


"جبانة الشاطبي" تعيد السياحة للإسكندرية.. وترميم المناطق الآثرية وتطويرها المدخل الرئيسي لجذب الأجانب
الكفاءات المصرية مؤهلة.. مصادر التمويل الداخلية للجمعية الأكثر.. وتوسيع المتحف اليوناني الأهم حاليا 
حوار- يارا السيد رزق

تأسست الجمعية في 7 إبريل 1893، كجمعية أهلية لا تهدف الي الربح، هذا ما جعلها أقدم مؤسسات المجتمع المدني العلمية بعروس البحر المتوسط، والثانية في مصر بعد الجمعية الجغرافية المصرية في القاهرة، وتم تأسيسها بعد إنشاء المتحف الروماني اليوناني بعام واحد، أي في العقد الأخير من القرن ال19، وكان أعضاءها من النبلاء، والأجانب والشخصيات العامة المهتمة بمجال الأثار بشكل عام وبماضي المدينة علي وجه الخصوص، أبرزهم الأمير عمر طوسون والقاضي جاسبر برينتون، ومصطفي العابدي، والبارون جاك دي منشأ.
تعد جمعية الأثار بالإسكندرية منارة علمية كبيرة خاصة بوجودها في مدينة غنية بعطر الحضارة، وعبق التاريخ، وتضم مكتبتها مراجع في 14 لغة، منها كتب نادرة، فضلا عن دورها الرائد علي المستوي الثقافي والبحثي والمجتمعي.
وعن مصادر التمويل، والمشروعات، والترميمات المختلفة، حدثتنا الدكتوره مني حجاج، مديرة جمعية الآثار بالإسكندرية، وأستاذة الآثار اليونانية والرومانية بجامعة الإسكندرية.. وإلى نص الحوار:
-       بداية نريد أن نعرف أسباب إنشاء الجمعية؟
الهدف الأساسي من إنشاء الجمعية الحفاظ علي الآثار السكندرية المهملة، والتعريف بها، خاصة مع ظهور الحركة العمرانية التي تمت في أسرة محمد علي، فكانت الأثار وقتها ملقاه في الشوارع، وهذا ما تطلب إنشاء المتحف الروماني اليوناني، ليتم عرضها في المتحف، الإ أن هذا العرض لم يكن كافيا للتعريف بها أو بمدي قيمتها وأهميتها، فاقتضي الأمر وجود مؤسسة علمية تهتم بدراسة هذة الآثار ونشرها في دوريات علمية علي المستوي و العالمي أيضا.
ومن هنا تحول دور الجمعية ليكون بمثابة حلقة الوصل ما بين المتحف والمجتمع السكندري، من خلال ما تقدمه من ندوات ومؤتمرات للتعريف بالمتحف وبالآثار فضلا عن نشر الإبحاث العلمية " الآثرية " من خلال دوريتها العلمية الدولية " Bulletin de la société  archéologique  "
-       هل كان للجمعية أي اسهامات عملية علي أرض الواقع  بجانب دورها الثقافي والمجتمعي؟
 في اول الخمسينات من القرن الماضي، كانت معظم الإكتشافات والحفائر الأثرية كانت تتم من خلال أعضاء الجمعية  باعتبارهم علماء آثرين، فتثني لهم دراستها، فتكون فريق بحثي من الأثريين ،نشأ بدعم ومساندة من الجمعية. وبدوره ساهم  الأمير عمر طوسون الرئيس الشرفي وقتها، في تمويل ويدعم الجمعية بسخاء، فحبه وعشقه للمدينة دفعه لوضع الأراضي التي كان يتملكها بين يدي الجمعية للكشف عن الحفائر الآثرية فكانت أغلب الاكتشافات في أرض الأمير عمر طوسون.
- ما هي أهم الأدوار التي  تبنتها الجمعية ؟
كان دور الأساسي للجمعية يتمثل في حماية وإنقاذ الآثار والمواقع الآثرية والتراثية،  التي تعبر عن حقب تارخية معينة والدفاع عنها، خاصة المهددة منها بعوامل الطبيعية أو بمحاولات التعدي، وذلك من خلال مخاطبة الجهات المعنية المتمثلة في وزارة الآثار أو محافظة الاسكندرية أو رئاسة مجلس الوزراء إذا تطلب الوضع ذلك، مع توضيح كافة الرؤي والمخاوف المقرر حدوثها.
-هل رصدت الجمعية أي حالة من حالات التعدي علي المناطق الإثرية وما هي الإجراءات التي أتخذتها؟
نعم، كان هناك مساعي لإنشاء مشروعات سياحية في منطقة رصيف السلسة بالأزاريطة سنة 2000، وهي منطقة أثرية كانت جزءا من الحي المالكي للمدينة القديمة حيث ثقبع بقايا القصور الملكية أسفله. أما عن المشروع، فكان يستهدف بناء فندق ونادي فوق رصيف السلسة، الأمر الذي من شأنه تغيير الهوية الأثرية للرصيف وللميناء الشرقي. الأمر الذي قاد الجمعية لخوض حملة كبيرة من اجل إيقاف هذا المشروع، وأطلقت ندائتها للمسئولين ، وبالفعل استجابت الجهات الرسمية بعدما تكشف حقيقة هذة المخاوف.
-هل أختلف دور الجمعية منذ نشأتها عن الآن ؟
بالطبع أختلف فمع أواخر القرن ال19 و أوائل القرن ال20 والقرن ال21، زادت نسب نمو المتعلمين، مقارنة بنسبة الأمية والتي أخذت تتضاءل وحينها سعت الجمعية الي استقطاب هذة الفئة المتعلمة لكي تصبح هي النواه لنشر الوعي علي نطاق أكبر. فتحول دورنا من خدمة ودراسة المتحف اليوناني الروماني الي نشر الوعي وتكوين كوادر شبابيية جديدة. فنحن الآن نساهم بدورنا في رسم سيناريو المتحف استعدادا لافتتاحه
-       ما إبرز المشروعات التي تحظي باهتمام الجمعية في تلك الفترة؟
مشروع تطوير" مقابر" جبانة الشاطبي،  باعتبار أنها أقدم المناطق الآثرية، المشروع بتمويل من مؤسسة " ليفينتوس"  القبرصية وهي مؤسسة خيرية تسعي الي الحفاظ علي المواقع التراثية، هذا التعاون المشترك هو الأول من نوعه في مصر. وحاليا وضعنا خطة لترميم وتطوير المنطقة بالكامل حتي تتلائم مع الاتجاهات الحديثة في السياحة، لإعادة الإسكندرية الي الخريطة السياحية  مرة أخري خاصة في ظل ما تعانية المواقع الآُثرية من تدهور نتيجة العوامل الطبيعية، وتراجع في الخدمات السياحية.
-       هل يقتصر دور الجمعية علي مدينة الاسكندرية؟
بالطبع نهتم بثرات المدينة وتاريخها الإ أننا في المقام الأول نهتم بالآثار. و من خلال مطبوعات ومنشورات الجمعية.، يتثني لنا الحديث عن باقي الآثار سواء المصرية او اليونانية أو حتي العالمية.
- هل للجمعية دور في استرجاع آثار مصر المهربة في الخارج؟ 
 لم يكن لمصر قانون لحماية الآثار، حتي تأسيس مصلحة حماية الآثار فكانت الآثار متاحة، و تباع في الأسواق ، وبالتالي فعمليات نقلها الي الخارج بتتم بشكل قانوني، ظل الأمر حتي عقدت مصلحة حماية الآثار إتفاقيات ثنائية مع دول البعثات التي تتولي التنقيب عن الآثار، تنص علي أن الآثار المكتشفة 50% منها ستظل في مصر، وال50% الأخري لدول البعثات، المعروفة ب " قانون القسمة ". ظل هذا الوضع قائما إلي أن تم وضع قانون حماية الآثار المصرية سنة 1983 بعد أن إمتلأت متاحف العالم بالآثار المصرية، وبموجب هذا القانون لا يحق لمصر المطالبة بآثارها قبل 1983. ووزارة الآثار هي المسئولة عن عمليات الاسترجاع وذلك من خلال إدارة " الآثار المستردة " التاعبة للوزارة والتي تتولي متابعة الآثار بعد سنة 1983
-       كيف يمكن لمصر استرجاع آثارها غير المسجلة من الخارج ؟
 الأمر صعب، لأن الآثار الغير مسجلة نتجت من عمليات الحفر الخلسة " بدون علم وزارة الآثار "، بعد اكتشافها يتم بيعها وتهريبها الي الخارج، فمن هنا لا يوجد ما يثبت ملكيتها باعتبار أنها غير مسجلة في سجلات الدولة. ولكن يمكن للدولة استرجاعها من خلال إثبات إنتماء الآثر الي الحضارة المصرية من خلال الدراسات العلمية، مع إثبات تهريبه بعد سنة 1983. وهذة الأمور ليست سهلة لانها بيتطلب وقت ومجهود كبير لإثباتها،فتقف هذة الإسباب  وراء ضياع العديد من المقتنيات المصرية في مزادات الآثار. فباتت تقتصر الجهود المصرية علي الآثار  المسجلة.
-       ما حجم الآثار المكتشفة تحت الماء وماذا عن مصيرها الآن ؟
الاكتشافات ضمت مدن كاملة غارقة، ففي الـ 10 سنوات الأولي بالقرن العشرين، كانت ذات صدي عالمي مثل " بعثة الميناء الشرقية " في أبو قير المعروضة حاليا في أمريكا.  الآثار التم تم إنتشالها لا تتجاوز نسبتها 5 % من إجمالي ما تم اكتشافه، في محيط قلعة قايبتاي ما لا يقل عن 3500 كتلة حجرية ضخمة " غابة من الكتل الحجرية"  لا وزنها زاد عن 2 طن.
قرر د. زاهي حواس، الأمين العام السابق للمجلس الأعلي للآثار في تلك الأثناء بعدم انتشال أي من الآثار الغارقة، لانه الآثر الغارقة يحتاج الي ظروف خاصة ومعالجات معينه خاصة أن كان بقاءها في هذا الوسيط المائي  يتجاوز2600عام في ، فنقلها الي جو جاف من الممكن ان يتلفه حتي وان كان حجر، فلابد من وضعة في احواض لإخراج الملح بشكل تدريجي، وعلي فترات زمنية طويلة، حتي نتمكن عرضها للمناخ الطبيعي، وهذا الأمر يتطلب مساحات كبيرة وموارد مالية ضخمة، وأماكن للعرض والتخزين ومصر وقتها لم تكن علي إستعداد لتحمل هذة الأمور
 فكان القرار هدفه الحفاظ عليها والتفرغ لمعالجة ما تم إنتشاله ، ولا خوف علي هذة الآثار الغاارقة ما دامت البيئة المحيطة بها ثابتة، ولكن الخطر الكبير يكمن في عمليات الاستكشافات الخلسة
-       هل ما زالت الكوادر المصرية غير مؤهلة بشكل كافي لتتولي الحفائر والعمليات الاستكشافية؟
أنا لا أري ذلك ، لاننا الآن نمتلك جيلين من الغواصين، فضلا عن الدور الذي قام بهمركز دراسات الآثار  البحرية و الغارقة التابع لجامعة الإسكندرية، يحظي من خلاله المتدربين علي أفضل أساليب الممارسة العلمية علي مستوي عالمي، فيمكنني القول بأ، لدينا كوادر كافية تستطيع ان تنافس عالميا، والوضع الأن لم يعد يقتصر علي الموادر البشرية بقدر الموارد المالية.

- حدثنا عن المراحل التي يمر بها الآثر منذ اكتشافه وحتي العرض المتحفي ؟
يتطلب الأمر وجود مرمم " منقذ"، وبمجرد ظهور الأثر يطلع علي الآثر لتقييم حالته، وتحديد إجراءات بعينها لحمايته، وفي مرحلة أخري "إسعاف"، ومرحلة " ترميم"، ويحفظ في أماكن شبيه لبيئته.
-       ماذا عن المشروعات التي مولتها الجمعية من مواردها الخاصة؟
" فنار أبو صير" و "معبد الإله اوزوريس " في الكيلو 45 الساحل الشمالي ، والجمعية تولت عملية ترميمهم بالكامل في فترة الثلاثينات، وحتي الآن لم يحتاج أي منهم الي ترميم مرة أخري، وتدريب أوائل الغواصين.
 وتوقفت مشروعات الجمعية لفترة من الزمن، نتيجة نقص الموارد المالية، وأهم ما نحرص عليه المطبوعات العلمية من خلال تشجيع الباحثين والبحث العلمي في مجال الآثار
-       ما المصادر التي اعتمدت عليها الجمعية في تمويلها؟
الجمعية في بدايتها كانت تعتمد علي الإجانب باعتبارهم المؤسسين الأوائل للجمعية، ثم تولي الأمير عمر طوسون دعمها، ومن بعده استطاعت الجمعية مزاوله نشاطها بمساعدة من يؤمنون بها.
-       هل هناك تعاون بين الجمعية والبعثات الأجنبية في ما يخص العمليات الإستكشافية التي تتم في المدينة؟
بالطبع، فهناك تعاون بشأن وضع سيناريو المتحف، بالإضافة الي المشاركة في إنشطة الجمعية من خلال تقديم محاضرات عن "حفائر في مصر"، لعرض أخر ما توصل إلية العالم، وذلك بشكل تطوعي ومجاني.
-       وماذا عن أوجه دعم المشروعات التي كانت تتم برعاية وإشراف من الجمعية؟
في القرن ال20، بالفعل كان هناك مؤسسات وشركات تتولي عملية التمويل لدعم مشروعات الجمعية، فضلا عن الهبات والتبرعات التي تحصل عليها الجمعية، فمواردنا المالية وحدها لا تكفي، خاصة إذا كانت عضوية الأعضاء لا تتجاوز الـ 50 جنيها سنويا.
- هل كان هناك عقبات تواجة الجمعية من قبل  الدولة بشأن التبرعات ؟
بالعكس ، فعلي مدار تاريخ الجمعية الطويل، لم يصادفنا مشكلة تتعلق بتبرعات الجمعية، نحتاج فقط الي تقديم مستندات كافية عندما يكون التمويل قادم من الخارج وهذا إجراء روتيني من أجل التعرف علي مصادر التمويل، وأنها من قادمة من أجل مشروعات بعينها، ويمكن القول إن أغلب التبرعات داخلية ماعدا تمويل "مؤسسة ليفنتوس القبرصية" لترميم جبانة الشاطبي.
 - ما أخر تطورات المتحف اليوناني ومصير مقتنيات المتحف ؟
إكمال الإنشاء، و سيناريو المتحف، ما سيتضمنه  من عرض للمقتنيات، ومسار الزيارة، والإضاء،ة وبطاقات التعريف، وغيره من الأمور التفصيلية وكل هذة الخطوط تسير في خطوط متوازية، إذ تبنت الجمعية إطلاق حمله لضم أراضي المحافظة القديمة الي مساحة المتحف، الأمر الذي من شأنه أن يحول المتحف الي مؤسسة ثقافية عالمية علي حوض البحر المتوسط، وتم تقديم مقترح مشروع لتطوير شكل المتحف بعد ضم أراضي المحافظة، وتم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الآثار ومحافظة الإسكندرية بإن تقدم تسهيلات بشان الأرض، ولكن ما زال الأمر في قيد الأنتظار، أما بشأن المقتنيات فهي مخزنة في المخازن التابعة للوزارة، ونحن بصدد استخرجها إستعدادا لترميمها وفحصها قبل عرضها في المتحف، ومن المتوقع إن يكون الإفتتاح في آواخر 2021.

انفوجراف