الحل في إتاحة استخدام التكنولوجيا الحديثة لتوثيق الحضارة المصرية
كتبت: نادية
جمال وشروق طارق وإسراء فتيان
أمام شاشة
التلفاز وبينما يقلب المشاهد في تلك القائمة المنسدلة لتصفح القنوات التليفزيونية
الوثائقية، يتبادر إلى الذهن ملاحظة كشف عنها العديد من الخبراء هو أن معظم جهات
إنتاج الأفلام الوثائقية تخبر بحقيقة أن غالبية الأعمال الوثائقية التي تتناول مصر
وحضاراتها مصنوعة دائماً بأيد وتمويل خارجي، مما ينذر بخطر يوضحه الخبراء وهو
تأثير ذلك على الرواية المطروحة عن الحضارة المصرية، من وجهة نظر هؤلاء المنتجين،
وذلك في ظل اختفاء الوازع عن الاهتمام بالإنتاج المحلي الذي يشرف عليه علماء
الآثار والتاريخ المصريين.
ففي مطلع ٱغسطس
من عام 2019، أعلنت فضائية "ناشيونال جيوغرافيك" الإماراتية عن عملها
الجديد، الذي يتناول لمحات من الحضارة المصرية القديمة مروراً ببعض مما يحدث
حالياً. أذيعت السلسلة التي تحمل عنوان "مصر القديمة"، وأخذت الفضائية
جمهورها في رحلة مدتها 4 ساعات، لكشف ألغاز مصر الفرعونية وخباياها، وقصص نادرة عن
مصر القديمة، والحرف اليدوية التي اشتهرت بها.
صُنعت
السلسلة بالاستعانة بأشهر علماء الآثار العالميين وأخصائيي الطب الأثري، وباستخدام
تكنولوجيا "الطائرات بدون طيار"، بدأت السلسلة بفيلم "أسرار وكنوز
ملك الشمس المصري''، وهو فيلم مكون من جزئين، مدته 60 دقيقة، حيث تقود المغامرة
علماء الآثار لاكتشافات مذهلة، مثل العثور على أول مقبرة تستوعب جثة كاملة، منذ
اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، وهو الأمر الذي اعتبره الخبراء بأنه الأول من نوعه
الذي يستعين بالتقنيات التكنولوجية لتوثيق الحضارة المصرية القديمة، ولم يجد ما
ينافسه في الجانب المحلي المصري.
وتتوسط
السلسلة فيلم "إنقاذ أهرامات مصر القديمة"، والذي تناول تاريخ هرم سقارة
المدرج، أقدم أهرامات مصر، وما تعرض له من عوامل تعرية وزلازل وأعمال نهب قبل أن
يحاول الخبراء ترميمه واستعادة بريقه المفقود، وجاء فيلم "مصر من
الأعلى" في ختام تلك السلسلة، وتلخصت فكرته في التقاط صور جوية باستخدام
تقنية "الدرونز" للأهرامات وأبو الهول.
والحقيقة إن
سلسلة "مصر القديمة" تعد أضخم سلسلة وثائقية تناولت موضوع الحضارة
المصرية مؤخراً، ربما لهذا السبب ركزنا عليها، ولكنها ليست الأولى التي تركز على
أماكن محددة، فالحضارة المصرية لا تقتصر على الأهرامات والأقصر فقط، بل تمتد على
مساحات واسعة، وفي محافظات كثيرة من الصعيد والوجه البحري، وتشمل أماكن أكثر من
ذلك، بجانب احتوائها على العديد من الآثار القبطية واليونانية والإسلامية، ولكنها
دائماً ما تكون خارج نطاق التغطية والرصد.
أماكن أثرية
مصرية لا تشملها خريطة الأفلام الوثائقية
بهبيت
الحجارة: تقع في إحدى قرى مركز "سمنود" بالغربية، وتعد من أكبر المعابد
الأثرية بالوجه البحري، كانت الأسر الفرعونية القديمة تحكم مصر من سمنود وكان
المعبد من أهم وأكبر المعابد الأثرية بالمنطقة بالكامل، ولا تزال هناك بقايا السور
المبني باللبن الذي يضم خرائب ذلك البناء التي تتمثل في كتل من حجر الجرانيت
الأحمر والأشهب الذي تميزت به مباني "نختانبو" في الدلتا.
مونس
كلوديانوس: وتقع تلك المدينة الرومانية القديمة "مونس كلوديانوس" على
بعد 45 كم جنوب غرب مدينة سفاجا، التي تعد أهم محجر روماني لإنتاج الأحجار
والأعمدة الضخمة، الذي يسمى بالحجر الملكي والذي شيد منه جميع معابد الرومان
العظيمة، وتقع داخل المدينة الرومانية القديمة حتى الآن غرف المعيشة للعمال
الرومانيين ومنحوتات رومانية قديمة كان يدون العمال عليها أعمالهم اليومية.
معبد أبيدوس:
وهو معبد يضم أحد الآثار المصرية الفرعونية القديمة، ويقع في مدينة البلينا جنوب
محافظة سوهاج على الضفة الغربية لنهر النيل، وعلى مسافة اثني عشر كيلومتراً جنوب
شرق البلينا، يعد المعبد المركز الرئيسي لعبادة الإله أوزوريس، ويشتهر بكثرة
المقابر والمدافن التي تُنسب إلى ملوك الأسرة الأولى والثانية، وشيد في عهد الملك
سيتي الأول وأكمله ابنه الملك رمسيس الثاني، وترجع شهرته لتخطيطه الفريد ولاحتوائه
على سبع مقاصير لعبادة ست آلهة بالإضافة إلى سيتي نفسه.
قلعة القصير: تعد
من أهم آثار محافظة البحر الأحمر، فهي إحدى القلاع العثمانية التي بنيت في عام
1571م، بغرض مراقبة ميناء القصير وحماية المدينة وساحلها، بالإضافة إلى تنظيم
رحلات الحج المتجهة إلى مكة وتأمينها. تقع القلعة على بعد 140 كم جنوب مدينة
الغردقة، فهي شاهدة على حقبة تاريخية مهمة من العهد العثماني في مصر بقلب مدينة
القصير.
الصحراء
البيضاء: هي عبارة عن أرض طباشيرية تكتسي باللون الأبيض، وتقع في شمال واحة
الفرافرة بمحافظة الوادي الجديد جنوب مصر وتبلغ مساحتها 3000 كيلو متر مربع، أعلنت
محمية طبيعية عام 2002. وتتميز الصحراء البيضاء بالصخور والتشكيلات الطباشيرية
التي تشكلت بفعل عواصف رملية منذ ملايين السنين فرسمت أشكالاً فنية لا تخطئها عين
فتجد صخرة على شكل دجاجة تأكل وأخرى تبدو على شكل أرنب وثالثة لصخرة تحمل أخرى
بصورة غريبة وغيرها من الأشكال المبهرة.
الإنتاج الوثائقي..
إلى أين؟
ماذا لو كان
هذا الإنتاج الوثائقي بأيد مصرية؟ أن تحكي روايتك غير أن تسمعها من لسانٍ آخر،
فبالتأكيد ستكون أنت أكثر حرصاً عليها، ولديك الدافع في إظهار كافة ما لديك، فهل
الأزمة هنا أزمة تقنية أم إرادة؟
في البداية
تجيب الدكتورة رحاب الصعيدي، الأستاذة بكلية الآثار جامعة القاهرة، وترى إن
المشكلة في أن المجتمع لا يمتلك في الأساس ثقافة الأفلام الوثائقية، علاوة على ضعف
الإقبال الخاص بالأفراد تجاه هذا النوع من الأفلام، فالتكلفة الخاصة بالأفلام
الوثائقية ليست ضخمة، من وجهة نظرها، وإنما العيب الأساسي في المحتوى المتكرر
المقدم من قِبل هذه الأفلام.
أما عن
الاكتفاء بزوايا واحدة في محتوى الأفلام الوثائقية، فترى إنه دائماً ما يستُخدم
أسلوب معين لنقل أفكار معينة وزرعها، علاوة على إن استخدام زوايا مكررة داخل
الأفلام، مما يجعل قابلية الاهتمام من المشاهد ضعيفة، لذا إذا قررنا بالفعل حدوث
تغيير في محتوى الأفلام الوثائقية لابد من استخدام زوايا جديدة مدعومة بأفكار
حديثة يسودها التعاون، وذلك من الجهات الحكومية وشركات الإنتاج على السواء.
بينما ترى
الدكتورة سارة فوزي، مدرس مساعد بقسم الإذاعة والتلفزيون بكلية إعلام القاهرة، إن
هذه الأفلام تركز على المناطق التي تراها عامل جذب سياحي للجماهير المستهدفة،
فالأهرامات مثلاً أشهر شيء يعلمه الأجانب عن مصر، وإن هذه القنوات تقوم بتخصيص
ميزانية محددة، فلابد من إنتاج مادة تضمن لها المكسب.
ولا
تستبعد "فوزي" أيضاً أن يكون هناك تكاسل من المسؤول عن الإنتاج هنا في
مصر، وإن هناك تساهل في تقديم الأفكار، فتُقدم الأفكار فقط في نطاق الأماكن
الشهيرة.
وبالحديث عن
القصور في الجوانب التقنية التي تحجم إنتاج هذه الأفلام، ترى "فوزي" إن
مصر لا ينقصها التقنية بشكل مادي، بل ينقصها قرار استخدامها، فمشكلة الطائرات بدون
طيار هنا إنه يتم التعامل معها على إنها طائرات للتجسس، ويلزم لاستخدامها تصاريح
كثيرة ومعقدة، وعليها محاذير، وعلى الحكومة المصرية أن تعتبرها وسيلة من وسائل
الإنتاج، على حد قولها.
وتستكمل
بإنه كانت هناك محاولات جيدة مؤخراً في هذا الإطار، ففيلم "نقطة تلاقي"
المعروض في منتدى شباب العالم الأخير كان خير مثال، ومصنوع بأيد مصرية، مشددة على
أولوية إنشاء قناة تسجيلية خاصة، وإدارة لإنتاج أفلام خاصة عن حضارة مصر،
والحضارات العربية عموماً، وأن تُوضع هذه الأفلام على شركات الطيران ومختلف
الأماكن، "لتعرف العالم بحضارتنا الحقيقية، الممتدة والمتنوعة، وتعرف
المصريين أيضاً ببلادهم".






