"المقبرة والقصر".. إرث الزعيم المجاهد "أطلال" : مقبرة حسن طوبار سكنتها الحيوانات الضالة.. قصره تحول إلى مدرسة.. و"الإخوان" حاولت السيطرة على جزء منه


شواهد عيان : طالها الإهمال والفوضى.. واللصوص سرقوا أغلب مقتنيات القصر
حفيدة "شيخ العرب": الترميم على نفقاتنا الشخصية.. وجمعت 200 ألف جنيه لوضع القواعد البنائية

كتبت- إسراء فتيان ويارا السيد وشيماء عزت:

قبل 60 عامًا، وقف في دهشة كبيرة يحاول الوصول إلى سر تدافع أعداد لا آخر لها في طريقها إلى إحدى المقابر، وقتها، لم يصل إلى الحقيقة الكاملة، وكل السيناريوهات التي طرحها عقله كانت طفولية ولم تتعد التفسيرات الخيالية، لكن علق في ذهنه مشهد يتصدره الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حاملًا في يده إكليلًا من الزهور، وضعه على المقبرة، وبعدها رفع يديه وقرأ فاتحة الكتاب وغادر المكان في سلام.
المشاهد السابقة، وقعت عام 1962، وشكلت بداية علاقة "عم محمود" صاحب الـ65 عاما بمقبرة المجاهد حسن طوبار، والآن يحكي لنا متأثرًا وحزينًا لما وصل إليه حال المقبرة، إذ تحولت إلى مأوى للحيوانات الضالة والمهملات.

أول" مليونير" مصري

شيخ إقليم المنزلة بمحافظة الدقهلية، زعيمها الشعبي، كبير مجاهديها، شيخ العرب، كل هذه الألقاب وأكثر كانت من نصيب الشيخ حسن طوبار، فالرجل الذى وضع التاريخ اسمه على رأس قائمة من جهزوا للمقاومة الشعبية العنيفة ضد الفرنسيين، وشرع في حث أهلها على فريضة الجهاد ضد المحتل، والاطمئنان على وسائل الدفاع لديهم، وجهز من ماله الخاص الأسطول البحري الذي حارب الفرنسيين، وأوشك على إخراجهم من دمياط، تحيط مقبرته الآن القمامة والحيوانات الضالة، فضلًا عن التجاهل والإهمال من قبل المسؤولين.
يسترجع عم "محمود" ذكرى الشيخ "طوبار" الذي ذاع صيته وأخبار توسع ثروته ونفوذه، فضلًا عن أنه كان محبوبًا من قبل سكان إقليمه من الصيادين وكان في حالة من الرواج كفيلة بأن تقعده عن اتخاذ أي موقف يمكن أن يهدد ثروته، إذ كان يملك أسطول صيد قدرته بعض المصادر الفرنسية بنحو خمسة آلاف مركب، وعددًا لا بأس به من مصانع نسج القطن، والمتاجر، إضافة إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

زيارة "عبدالناصر"

زار الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وعدد من قيادات الثورة، من بينهم عبد الحكيم عامر، وعبد اللطيف البغدادي، وكمال الدين حسين، وصلاح سالم، قبر المجاهد حسن طوبار، فى عام 1962، تزامنًا مع ذكرى وفاته، وقابل أحفاده الذين قدموا قصر البطل والمقبرة هدية لمصر، ووضع أكاليل من الزهور على المقبرة، وبعدها توجه إلى منضدة عليها سيف قديم من سيوف المجاهد مرصع ببعض الأحجار الكريمة، وبندقية خرطوش كان يستخدمها في المقاومة ضد الفرنسيين، ومصحف مكتوب بخط اليد، وكتاب بالفرنسية كتبه أحد مؤرخي الحملة الفرنسية عن الزعيم حسن طوبار، وأخذ الرئيس عبد الناصر هذه المقتنيات وسلمها إلى أحد مساعديه في رئاسة الجمهورية. وصدر قرارًا بتحويل قصر حسن طوبار إلى متحف واعتباره من القصور الأثرية، وذلك بقرار جمهوري حمل رقم 2300 لعام 1962، على أن يتحول المكان إلى متحف، واعتبار القصر مزارًا سياحيًا.

مقبرة "البطل"

يروى "عم محمود" كيف وصل الحال بمقبرة كبير المجاهدين في المنزلة، إذ طالها الإهمال والفوضى، ووصلت يد اللصوص إلى القصر وسرقت أغلب مقتنياته، إذ تحول القصر وتحديدًا عقب عام 1967، وتزامنًا مع عدم تنفيذ القرار الذي إصداره "عبدالناصر" إلى قصرًا خاويًا تمامًا، وتحول إلى أطلال، السبب وراء اقتراح بعض النواب هدم القصر وتقسيم أرضه بين وزارة التربية والتعليم وجهات أخرى، إذ تحول جزء كبير منه إلى مدرسة، ولم يبقَ من تراث حسن طوبار إلا مكتبة باسمه ومقبرة متهدمة محاطة بالقمامة وحيوانات ضالة.

معركة الترميم

تسرد هانم طوبار، من أحفاد المجاهد الراحل، كيف طال العبث إرث عائلة طوبار، قائلة: "حينما قرر والدي اصطحابي لرؤية قصر جدي، شعرت بالفخر، وقتها، تمنيت أن أبقى  في المكان وقت أطول، ورغم أن وطنية أجدادي كانت وراء إهداء قصورهم للدولة لتنضم لهيئة الآثار لكي تصبح مزارًا سياحيًا ومصدر فخر للأجيال القادمة، إلا أن للواقع رأي أخر، وطالها الإهمال والتجاهل، وحاولت على مدار 8 أعوام كاملة استرداد المقبرة، وكذا الحديقة المنهوبة، والقصر الذي تحول إلى مدرسة بعد أن أصبح مجرد أطلال، لكن فشلت".

وتضيف: "بدأت مشوار الاسترداد عام 2013، وقتها، خصص سيطر جماعة "الإخوان" على جزء كبير من ضريح المقبرة لتكون مركزًا لإدارة المنطقة لصالحهم، بعدها قررت الذهاب لدار الإفتاء وطالبت بوقف الصلاة في مسجد الأعجام لأنها تكون صلاة باطلة باعتبار أن البناء على مقابر وجثث مجموعات من العجم الذين سكنوا هذه المنطقة ودفنوا فيها، وعندما تم عزلهم من الحكم بدأت على الفور بجمع توقيعات من مناطق متفرقة في أنحاء الجمهورية للحفاظ على تراث أجدادي وبلدي".

وتابعت حفيدة طوبار: "جمعت عدد كبير من التوقيعات، وطالبت بإطلاق اسم المجاهد حسن طوبار علي مسجد الأعجام، وتمت الموافقة من قبل هيئة الأوقاف بالدقهلية، ولكن تم تجميد القرار بواسطة هيئة أوقاف القاهرة وحتى الآن لم ينفذ، كما قدمت عدد لا نهائي من الشكاوى حتى استطعت الحصول على قرار تمكين العائلة من ترميم المقبرة على نفقاتنا الشخصية وفقا للقرار 522 لسنة 2018، ووقتها، سجل المحافظ أحمد الشعراوي المكان ضمن الإسكان ذات الأعمار المميز، وجمع مبالغ من العائلة لوضع القواعد البنائية للترميم".

وذكرت هانم طوبار، أنه رغم جمع نحو 200 ألف جنيه، حتي الآن، لبدء أولى خطوات ترميم المقبرة، إلا أن عمليات الترميم توقفت، نظرًا لضعف الموارد المالية في الوقت الحالي، موضحة أن استجابة المسؤولين جاءت بعد مداخلة تليفونية لها مع أحد البرامج التليفزيونية التي تناولت الإهمال الذي أصاب مقبرة البطل
في الوقت نفسه، تواصلنا مع اللواء أحمد الشعراوي، محافظ  الدقهلية السابق، بشأن أزمة المقبرة والقصر، إلا أنه رفض التعليق تمامًا.

انفوجراف